الأزمات العربية: استمرار الصراعات والنزاعات وانطلاق التسويات دون الوصول لحلول نهائية

الأزمات العربية: استمرار الصراعات والنزاعات وانطلاق التسويات دون الوصول لحلول نهائية
الأزمات العربية: استمرار الصراعات والنزاعات وانطلاق التسويات دون الوصول لحلول نهائية

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تقف الصراعات المسلحة والأزمات فى المنطقة العربية على عتبات تحول متوقع فى عام 2019، قد يقود إلى تغييرات نسبية فى موازين التنافس الداخلى والخارجى بدرجات مختلفة، لكنّ ذلك قد لا يؤدى إلى تغير استراتيجى شامل، فالأغلب هو استمرار الصراعات فى العام الجديد.

غير أنه من المتوقع بروز قسمات مشتركة بين تلك الصراعات، تتمثل فى مسارين؛ أولهما انخفاض درجة حدة الصراعات، وثانيهما تصاعد زخم مسارات التسوية، فقد يشهد العام الجديد انطلاق أجندة تسويات جديدة قد تفرض استحقاقات سياسية وأمنية جديدة. ومع ذلك، لا تزال التسويات النهائية مؤجلة، على الأرجح، على اختلاف طبيعة الصراعات ومساراتها، إذ لم تبلغ نقطة النضج الكافى.

أزمة سوريا.. تنافس مضاعف

تنعطف الأزمة السورية باتجاه تحولات رئيسية متوقعة فى عام 2019، على نحو قد يُعيد هيكلتها باتجاه التنافس المضاعف، فى ضوء ثلاث قضايا رئيسية:

1- تصاعد التنافس على ملء الفراغ الأمريكى: إذ قد يتصاعد التنافس الداخلى والخارجى على ملء فراغ الانسحاب العسكرى الأمريكى الذى أُعلن عنه فى أواخر 2018، لإعادة رسم خريطة موازين القوى. فباستثناء تركيا التى قامت بعملية تموضع استباقى قبل الانسحاب الأمريكى لإزاحة الوجود الكردى فى شمال شرق الفرات؛ فإن النظام السورى وحلفاءه قد يعملون على الانتشار تدريجيًّا فى باقى مناطق الفراغ، مع احتمالات تفاهم مع الأكراد مقابل الصدام مع المعارضة المسلحة التى يتم نقلها بواسطة تركيا إلى شرق الفرات. بموازاة ذلك، قد تُوظِّف عناصر «داعش» الفراغَ الأمريكى لإعادة تمركزها انطلاقًا من شرق دير الزور، كما قد توظف إيران ذلك الفراغ للتمدد أيضًا، وخاصة جنوبًا باتجاه الحدود السورية العراقية التى كانت قاعدة «التنف» الأمريكية تحول دونه حدوثه.

2- آفاق عملية التسوية السياسية المتعثرة: إذ إن التحولات الأمنية المحتملة فى سوريا قد تُلقى بظلالها على مسارين؛ الأول: اتجاه روسيا لهندسة موازين القوى الجديدة سياسيًّا وعسكريًّا، بحكم علاقاتها بأغلب الأطراف، غير أنها ستواجه تحديات؛ منها: احتمال صحوة «داعش»، والموقف الإسرائيلى من التمدد الإيرانى، وخلق جبهة جديدة للمعارضة. والثانى: تولى «جيرى بيدرسن» (المبعوث الأممى الجديد لسوريا) مَهَامَه مطلع العام الجديد، والذى قد يتوقف أمام التحولات الجيوستراتيجية وانعكاساتها المختلفة، ما قد يُتيح هامشًا أكبر مما هو عليه لروسيا على أرضية «أستانا-سوتشى». كما أن خفض الانخراط العسكرى الأمريكى فى الأزمة قد يدفع واشنطن إلى التركيز الأكبر على الأمم المتحدة لممارسة أكبر قدر من الضغوط السياسية، وهو ما قد يُعرّض التحالف الثلاثى (الروسى- التركى- الإيرانى) لاهتزازات سوف تسعى واشنطن لتعميقها.

3- احتمال عودة سوريا إلى الحاضنة العربية: حيث قد ترتهن تلك العودة بمشروطيات استئناف العلاقة من جانب الدول العربية، لا سيما التى كانت تدعم فصائل المعارضة العسكرية، لكنها قد تتأثر بمستوى زيادة مساحة النفوذ الإيرانى، وفى أفضل السيناريوهات ربما تعيد دمشق علاقاتها الدبلوماسية فى النطاق العربى فى مستوى محدود.

أزمة ليبيا.. مراوحة التسوية

يحكم مستقبلَ ليبيا فى عام 2019 عدةُ محدِّدات رئيسية، وإن كان لا يُتوقع بشكل عام ظهور تغيرات حاسمة فى توازنات القوى بفعل العراقيل المتكررة أمام التسوية السياسية، ومن أبرز تلك المحدِّدات:

1- استمرار تفاوت الموازين العسكرية: فثمة ثبات نسبى فى اتجاه ميل الكفة العسكرية لصالح الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير «خليفة حفتر» الذى يسيطر على غالبية الأراضى الليبية (شرقًا وبعض المناطق الاستراتيجية فى الجنوب) مقارنة بحلفاء حكومة الوفاق فى غرب ليبيا فى طرابلس ومصراتة والزنتان. ولا يُتوقع تغييرات حاسمة فى ذلك الميزان خلال عام 2019، لاعتبارين؛ الأول: طبيعة قيود القوى الغربية -خاصة إيطاليا والولايات المتحدة- على أى احتمال لتقدم الجيش الوطنى باتجاه طرابلس. والثانى: حالة التنازع الأمنى والسياسى بين ميليشيات طرابلس ومصراتة والزنتان، والتى سعت الأمم المتحدة لاحتوائها إثر اشتباكات أغسطس 2018.

2- شكوك حول تجاوز الاستحقاقات السياسية: إذ تواجه ليبيا ثلاثة استحقاقات رئيسية فى عام 2019؛ هى: عقد المؤتمر الوطنى العام فى يناير القادم، والاستفتاء على مسودة الدستور الليبى، ثم إجراء انتخابات ليبية تشريعية ورئاسية فى ربيع هذا العام. وتواجه تلك الاستحقاقات معضلات من قبيل: مدى إلزامية مخرجات المؤتمر الوطنى للأطراف المتنازعة، والقدرة على تجاوز اختبار الدستور، وحدود الالتزام بنتائج الانتخابات، وعدم تكرار ما جرى فى استحقاقَى 2012 و2014. والأهم أنه ما لم تعكس المخرجات السياسية لتسوية الأزمة تفاوت موازين القوى، فلن يكون بمقدورها النفاذ على الأرض، بما قد يكرر مأزق اتفاق التسوية فى الصخيرات فى ديسمبر 2015.

3- تصاعد التنافس على الجنوب الليبى: حيث يُتوقع أن تشهد المنطقة صراعًا متعدد المستويات خلال عام 2019، لكونها معبرًا للهجرة غير الشرعية، ومخزنًا للإرهاب والجماعات المسلحة الإقليمية، وساحة لنزاع الموارد. فداخليًّا، يُتوقع سعى الجيش الوطنى لتثبيت سيطرته وتوسيعها جغرافيًّا فى مقابل حلفاء حكومة الوفاق فى المنطقة لدعم موقفه فى موازين القوى السياسية والميدانية ودرء فلول الإرهاب.

اليمن.. انفراجة دون اختراق

رغم أن محادثات استكهولم فى عام 2018 تشكل نقطة إيجابية وبداية انفراجة فى الأزمة اليمنية، إلا أن المُتصوّر هو أن إمكانية تحقيق اختراقات فى بعض ملفات الخلاف سوف تظل محدودة ومرتبطة بمنظور الصفقات المتبادلة. ويبرز هنا اتجاهان متوقعان، هما:

1- الأولوية الإنسانية لمسار المفاوضات: فالمتوقع أن يركز مسار المفاوضات اليمنية على الملفات ذات الأولوية، خاصة الإنسانية، إلى جانب المقايضة بين السياسى والأمنى والاقتصادى، مع ظهور تفاعل أدوار دولية لم تظهر بعد بثقلها، إلى جانب الأطراف التى لم تُمثَّل سياسيًّا، مثل الجنوبيين، إضافة إلى ترقب أطراف لاختراق المشهد بهدف استثمار الوضع لجنى مكاسب، وقد يكون «حزب الإصلاح اليمنى» الأكثر تحسبًا لهذه النقطة لإعادة التموضع السياسى مستقبلًا، وربما سيقوم «حزب المؤتمر الشعبى العام» بالمحاولة نفسها حال تمكّنه من ترميم التصدعات التى أصابته خلال السنوات السابقة.

2- انخفاض حدة الصراع العسكرى: إذ من المتوقع أن يبرز ذلك الاتجاه فى عام 2019 مع بقاء الصراع دون إنهائه كخيار أساسى فى التعامل مع الأزمة، إضافة إلى استمرار النزاعات فى المناطق التى لم يشملها اتفاق استكهولم، وإن كان من المتوقع أن تضغط القوى الدولية لتكرار نموذج خفض التصعيد فى الحديدة فى المناطق الأخرى. ومن ثمّ، يُتوقع انعكاسٌ محدودٌ لمخرجات التسوية على الواقع الأمنى، بل يبقى احتمال انتكاس هذا المسار قائمًا، على نحو ما جرى فى مفاوضات الكويت عام 2016.

العراق.. تأزم مستمر

تبقى التفاعلات السياسية مهيمنة على الأزمة العراقية خلال عام 2019، مدفوعةً فى ذلك بعدة محدِّدات أساسية، هى:

1- مسار التفاعلات السياسية، حيث إن تعثر تشكيل الحكومة العراقية يصب فى صالح مزيدٍ من النفوذ الإيرانى فى المجال العراقى، خاصة أنه لم يحدث تغير يُذكر فى شكل النظام السياسى، وبقاء ديناميكياته التقليدية على حالها منذ عام 2003. إذ لا تزال التيارات السياسية الشيعية تهيمن على العملية السياسية، وإن كان ثمة توقع فى عام 2019 بتنامى الحضور العربى فى العراق، إلا أنه لا يزال غير وازنٍ للحضور الأمريكى.

على جانب آخر، هناك شروخ تتسع لدى تيار سُنّة العراق، كما برز فى أزمة حقيبة وزير الدفاع فى تشكيل الحكومة، وهى شروخ تُضعف ذلك التيار، ولا سيما مع تبعثره، على عكس القوى الشيعية التى تختلف فى التوجهات، لكنها تصطف فى القرار السياسى.

2- مسار التفاعلات الأمنية، إذ لا يزال لدى العراق برنامج قائم فى عملية مكافحة الإرهاب سوف يتواصل فى عام 2019، مع استمرار الحضور الأبرز لقوات «الحشد الشعبى» والتنسيق مع إيران، وهو ما كانت له دلالاته فى صراعات أخرى بالمنطقة كاليمن، حيث أبدت بعض الميليشيات الشيعية -مثل كتائب سيد الشهداء- رغبتها فى مؤازرة الحركة الحوثية، بخلاف دورها العسكرى فى سوريا.

المصدر : المصرى اليوم

السابق عمرو السنباطي لأهالي دائرته قبل الإعادة: أرفض المال السياسي.. وأولويتي بناء الإنسان
التالى عمرو الليثي: والد بوسي أجرى عملية جراحية في عينه اليمنى