القوى الإقليمية: تراجع تدريجى فى طموحات إيران وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل

القوى الإقليمية: تراجع تدريجى فى طموحات إيران وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل
القوى الإقليمية: تراجع تدريجى فى طموحات إيران وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تتخذ أدوار القوى الإقليمية غير العربية (تركيا، إيران، إثيوبيا، إسرائيل)، فى عام 2019، اتجاهًا متوقعًا نحو تراجع طموحات التمدد الإقليمى، بعدما شهدت تصاعدًا إثر مناخات الضعف الداخلى فى المنطقة العربية بعد عام 2011، وعَكَسَ ذلك الاتجاهُ المتوقع الذى برزت نُذُره فى العام الماضى، عودةَ القوى الأربع إلى انتهاج سياسات واقعية، بغرض الاستجابة للضغوطات الداخلية والخارجية. ولا يعنى هذا تحول تلك القوى بشكل مفاجئٍ وحادٍّ عن سياساتها المبنية على فائض الطموحات الإقليمية على حساب الدول العربية، إذ يتوقع أن يكون ذلك التراجع تدريجيًّا وبدرجات مختلفة، وإن كان ملموسًا. ويتأسس ذلك التوقع على منطق الفرصة التى لم تكتمل للقوى الإقليمية غير العربية فى مرحلة ما بعد 2011، إذ نظرت إسرائيل إلى أوضاع المنطقة العربية المضطربة على أنها الأنسب لتخفيف الضغوطات المتعلقة باستئناف التسوية مع الفلسطينيين، وتوسيع نطاق التطبيع مع الدول العربية، وتحويل الأنظار باتجاه إيران باعتبارها الخطر الرئيسى على المنطقة، فيما سعت تركيا إلى استعادة الحلم العثمانى القديم، مراهنةً على قوى الإسلام السياسى، حتى بعد السقوط الشعبى لجماعة الإخوان الإرهابية فى ثورة يونيو 2013، والتراجع النسبى لحركة النهضة التونسية، إذ انتقلت أنقرة إلى التدخل فى الأزمتين السورية والليبية، ودعمت قوى إسلامية على اختلاف مشاربها.

فى الوقت نفسه، اعتبرت إيران أن توقيع الاتفاق النووى مع القوى الغربية (5+1) عام 2015، جواز مرور لتوسيع نفوذها الإقليمى بالمنطقة العربية والضغط على إسرائيل، فتغلغلت فى سوريا واليمن، ووسّعت نفوذها فى العراق ولبنان، موظِّفةً فى ذلك أيضًا تمدد «داعش» فى كلٍّ من الأزمتين السورية والعراقية، فيما استغلت إثيوبيا اضطرابات المنطقة العربية لتحجيم النفوذ المصرى عربيًّا وإقليميًّا، والسعى لبناء تحالفات وثيقة مع تركيا وإسرائيل.

متغيرات ضاغطة

لكنّ طموحات القوى الإقليمية الأربع فى التمدد على حساب المنطقة العربية لم تدم طويلًا، بل شهدت تراجعًا فى السنوات الماضية، ويتوقع استمراره فى عام 2019 فى ظل متغيرات عدة، من أبرزها:

أولًا- أزمات داخلية وخارجية فى إيران: إذ إن توظيف إيران للاتفاق النووى مع القوى الغربية فى تمديد دورها الإقليمى، واجهته صعوبات فى سوريا، جراء تمدد النفوذ الروسى، فضلًا عن توجيه إسرائيل ضربات متتالية لمحاولة طهران إقامة قواعد عسكرية ثابتة، فضلًا عن تعثر طهران فى إقامة صناعات عسكرية متطورة فى لبنان لدعم «حزب الله»، وتحويله إلى ذراع أكثر قوة للضغط على إسرائيل. وبلغت تلك الضغوط ذروتها على إيران عام 2018، بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووى فى ظل إدارة «دونالد ترامب»، وعودة واشنطن إلى سياسة فرض العقوبات على طهران، التى تم تطبيق دفعتين منها، إضافة إلى ذلك، تعرض حلفاء إيران فى اليمن (الحوثيون) لأوضاع عسكرية صعبة، مع تصاعد ضغط التحالف العربى الذى تقوده السعودية.

ثانيًا- سياسة تركية تحت الضغط الأمريكى: إذ تزايدت حدة الخلافات بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن، والاتحاد الأوروبى على خلفية معالجة الأزمة السورية، والموقف من قضايا الأكراد، والهجرة، وحقوق الإنسان. بل إن الملف الأكثر حساسية للأمن القومى التركى، الخاص بمنع الأكراد فى سوريا والعراق من إقامة كيانات شبه مستقلة تملك قدرات عسكرية متطورة، بدا أن حكومة أنقرة غير قادرة على فرض تصوراتها الخاصة به فى مواجهة المواقف الأمريكية والروسية والإسرائيلية المخالفة، وبرغم ما قد يبدو من أن الإعلان الأمريكى حول الانسحاب من سوريا يمثل ظاهريًّا فرصة جديدة للتمدد التركى، إلا أنه- فى المقابل- يفرض عليها قيودًا بسبب التواجد العسكرى الروسى، والخلاف حول حجم الدور التركى المنافس، يُضاف لكل ذلك، استمرار أزمة تراجع قوة الاقتصاد التركى.

ثالثًا- تحولات إثيوبية إثر صعود «آبى أحمد»: إذ انعكس صعود رئيس الوزراء الإثيوبى «آبى أحمد»، فى أبريل 2018، على خلفية أزمة احتجاجات داخلية، فى تراجع أديس أبابا عن تبنى سياسات خارجية غير واقعية وصدامية خاصة تجاه القرن الأفريقى ومصر. إذ أنهت الخلافات مع إريتريا، وغيّرت من سياسة دعم الانقسامات الصومالية إلى الرهان على وحدة هذا البلد، ودعم حكومة الرئيس «محمد عبدالله فرماجو». وتوصلت إلى تفاهمات مع كلٍّ من السودان وجيبوتى بهدف تحقيق الاستقرار فى القرن الأفريقى. كما تكفل الإعلان الرسمى عن تأجيل تشغيل سد النهضة بسبب مشكلات فنية واقتصادية إلى عام ٢٠٢٢ بتخفيف حدة الأزمة الممتدة مع مصر فى هذا الملف. وتشى كل تلك التحولات بتعثر سياسة إثيوبيا فى اللعب على تناقضات المصالح بين القوى الكبرى والإقليمية لتحقيق طفرة اقتصادية بمعونات واستثمارات خارجية.

ووسط ذلك المناخ الباعث على تحجيم طموحات القوى الإقليمية غير العربية، لم تتعرض إسرائيل لضغوطات كبرى على سياساتها الخارجية، لكنها تبدو مرشحة أكثر لكبح فائض طموحاتها، فى ظل نشوء متغيرات محتملة فى عام 2019. وقد يدفع ذلك المناخ تلك القوى إلى مراجعة سياساتها الصدامية فى الخارج، التى انتهجتها فى السنوات السابقة، لا سيما أن ذلك يُلقى بأعباء ضاغطة على اقتصاداتها، ويزيد حدة الأزمات الاجتماعية فى الداخل.

اتجاهات متوقعة

وفى إطار ما سبق، يُمكن توقع عدة اتجاهات لسياسات القوى الإقليمية غير العربية فى عام 2019، من أبرزها:

أولًا- تخفيف إيران للضغوطات الغربية: فمن المتوقع أن تبدأ طهران فى مساعى العودة للتفاوض حول الاتفاق النووى، عبر احتمال إعلان موافقتها على الانضمام للاتفاقية المعروفة بـ«مجموعة مراقبة العمل المالى الدولية» (FATF)، التى أمهلت إيران حتى فبراير 2019، للقبول بشروط الانضمام لها، ومنها التعهد بمكافحة جرائم تمويل الإرهاب. وقد يعنى تأخر إيران فى الاستجابة للضغوط الأمريكية، زيادةَ حدة الأوضاع الداخلية الاجتماعية والاقتصادية المضطربة منذ أواخر عام ٢٠١٧.

ويخشى النظام الإيرانى من زيادة حدة أزماته الداخلية إذا ما تسبب أى رحيلٍ مفاجئٍ لمرشد الثورة «على خامنئى» خلال العام الجديد بسبب مرضه، فى اتساع الصراع بين أجنحة السلطة. لكنّ أيًّا من المخارج الإيرانية قد تُواجَه بمطالب غربية متوقعة لطهران بإثبات حسن نواياها، وتقليل تدخلها فى الأزمة السورية، ودفع الحوثيين نحو التسوية السلمية للصراع فى اليمن، مع كبح «حزب الله» ومنعه من التصعيد مع إسرائيل.

ثانيًا- اتجاه تركيا للمرونة الإقليمية: فعلى الرغم من استمرار الخطاب المتشدد للرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» حيال الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبى ومصر، فإن الأزمة الاقتصادية، وعدم كفاية الدعم القطرى لمعالجتها، مع التحديات الأمنية التى يفرضها الأكراد؛ ربما يُجبر أنقرة على تقليص فائض طموحاتها الذى بدأ فى نهاية ٢٠١٨ بإعلان استعدادها لتقبل بقاء «الأسد» فى السلطة فى سوريا بشروط. كما تُجرى تركيا محاولات حثيثة لتحسين علاقاتها بإسرائيل، لكن ذلك ربما لن يكون متاحًا إلا بتقليص تأييدها لحركة «حماس»، الأمر الذى قد ينعكس إيجابيًّا على علاقتها مع الولايات المتحدة. كما قد يتعين على تركيا تقليل لهجتها الحادة حيال مصر.

ثالثًا- استمرار سياسة التهدئة الإثيوبية: حيث من المتوقع أن تستمر أديس أبابا فى التهدئة مع جيرانها الإقليميين فى القرن الأفريقى وكذا مصر، فى ضوء أن الأزمة الاقتصادية الداخلية ليست مرشحة للحل قريبًا. ومن المتوقع أن تستمر أديس أبابا فى سياسة بناء الجسور، مع تركيز اهتمامها على القرن الأفريقى كمجال لمصالحها الحيوية، وقد تشهد سياسات تخفيض التوتر مع مصر تحسنًا ولو محدودًا على الأقل بسبب تأجيل تشغيل سد النهضة.

رابعًا- تزايد الضغوط على إسرائيل: حيث إن الوضع السياسى الضاغط فى إسرائيل بعد تقلص قوة الائتلاف الحاكم فى الكنيست قد يؤدى إلى الذهاب إلى انتخابات مبكرة، ومن المرجّح أن تظل هيمنة اليمين الإسرئيلى، واستمرار فرص «نتنياهو» فى قيادة الائتلاف الجديد، ما لم تُطح به قضايا الفساد. كما تبرز عناصر أخرى قد تُجبر إسرائيل على التخلى عن طموحاتها الإقليمية، ذلك أن ما يُعرف إعلاميًّا بـ«صفقة القرن»، قد تزيد من هوة الخلاف داخل الليكود وجبهة اليمين.

وحتى رفض الفلسطينيين المتوقّع لتلك الصفقة، وإن كان سيُبطل هذا التطور؛ فإن احتمالات اندلاع مواجهات عارمة مع الفلسطينيين فى غزة والضفة قد تكون مرتفعة.

المصدر : المصرى اليوم

التالى عمرو الليثي: والد بوسي أجرى عملية جراحية في عينه اليمنى